الشفرة" في النص العصي للشاعرة ليلي السرجاني
بقلم: وائل سيد عبد الرحيم النجمي
يعد مصطلح "الشفرة" من المصطلحات الحديثة نسبيا في النقد الأدبي، وفي نظرية الأدب، وهي لها ارتباط وثيق بالنموذج الذي صاغه ياكوبسون حول عملية الاتصال، التي رأي أنها تتكون من ستة عناصر أساسية(1 )، هي: المُرسل، المُرسل إليه، الرسالة، السياق، قناة الاتصال، الشفرة، فهذه العناصر موجودة في كل عملية اتصال من منظور ياكوبسون، لكنه لاحظ أن عملية الاتصال لا تمض أبدا محايدة تجاه هذه العناصر، إذ لا بد أن تركز عملية الاتصال على أحد هذه العناصر دون غيرها، وعند التركيز على كل عنصر ينتج وظيفة محددة للخطاب، ومن ثم هناك ست وظائف، يهمنا منها الوظيفة الشعرية، وذلك عندما تركز عملية الاتصال على الرسالة نفسها، ولنفسها، ولكن الوظيفة الشعرية لوحظ أنها لا تقدم أبدا الرسالة في شكل واضح أو سهل الحصول عليه ــ وذلك من شروط الأدبية في النظريات الحديثة ــ ، وإنما الرسالة تقدم دائما "مشفرة"، أي تقدم مستخدمة مجموعة محددة من الترميزات والأعراف التي يتوجب على القارئ أن يقوم في مقابلها بعملية عكسية هي عملية فك لهذه الشفرة؛ لذا يمكن تعريف الشفرة بشكل مبسط بأنها: ((استخدام مجموعة من الترميزات المستمدة من مخزون الخبرة الموجود سلفا في "المؤسسة الأدبية"، من أجل تقديم "رسالة" معينة، يعمُد "الأدب" إلى إيصالها للقراء بشكل غير مباشر عادة.))(2 )
لذا فإن من الأدوار الهامة التي تقع على عاتق النقاد في القيام بها تجاه الأعمال الأدبية دور القيام بعملية فك الشفرة، وتحليلها وتوضيحها للقارئ وتبيان مخزون الخبرة التي استندت عليه الشفرة من المؤسسة الأدبية، وذلك هو ما سأحاول القيام به هنا تجاه نص أدبي عنوانه: "النص العصي" للشاعرة: "ليلي السرجاني"، والسبب وراء اختياري لهذا النص بالذات، أني لاحظت أن أكثر ما يهيمن عليه من تقنيات: تقنية التشفير ذاتها، على نحو ما سيتبين.
تبدأ الشاعرة قصيدتها بمخاطبة النص نفسه، ولكنه ليس أي نص، وإنما النص العصي، ذلك النص الذي تعاتبه الشاعرة على عصيانه، وتحاول أن تلين مراسه، تقول:
أيها النص العصي
أما آن الأوان
لخلع العصيان؟
و اختيار الخل؟
إذن هي محاولة للتقرب من النص، ولكن بالتدقيق أكثر، سيتضح أنها محاولة لتقريبنا نحن من النص، وليس محاولة للتقرب من النص، وأن تقنية المخاتلة في المراد هي من التقنيات التي تكثف الشاعرة استعمالها بكثرة في هذه القصيدة، وإذا ما كانت الشفرة تنغلق على ذاتها في بعض ثنايا العمل الأدبي، فيصعب فكها وفهمها، إلا أنها أحيانا تقدم نفسها بشكل واضح، لكي تيسر للقارئ إمكانية التواصل معها، من ذلك القبيل، القول التالي:
تتبدل الحروف
تغير أماكنها علامات الضبط
فيتجول المعنى
بين الفرح والحزن والرمز
فيجن العقل للفهم
واضح هنا أن الشاعرة تتحدث عن عملية الكتابة، بل عن عملية تكوين الشفرة نفسها أيضا، لكن الشاعرة تقدم ذلك بذكاء حذر، فالحروف تتبدل وتغير أماكنها وغيره من الصورة المقدمة، ولكن، أليس الشاعر هو الذي يبدل الحروف ويغير الأماكن، أليست مقولة الشاعرة تلك هي محاولة منها لإقناعنا بأن النص هو الذي يقود ذاته بذاته، وأن الشاعر هو ذلك الإنسان المسكين الذي يفرض عليه النص هيمنته، والأهم، أليست عملية التشفير هنا واضحة جدا فيما أرادت الكاتبة أن تقوله بشكل غير مباشر من خلال نصها، فلنكمل القراءة:
أيها النص العصي
فك لجام المعنى
أطلق لها العنان
لتجري في براري الفكر الخصب
وتقترن بالكلمة
فالجمال الحر
يَشد صلب الجملة
فتطول القامة وتعلو الهامة
تصبح الجملة رشيقة
تتهادى بخيلاء الأميرة
من تخاطب الشاعرة هنا، النص نفسه، كلا، مع تعمق القراءة يتضح أن هناك مخاطبا آخر وراء كل هذا، وأن هناك رسالة توجهها الشاعرة خلف ما تقوله، رسالة يمكن حل شفرتها على نحو ما سيتضح، فالنص لا يمكن له أن يقوم بفك لجام المعني ــ لا حظ أن لجام المعنى بشكل أو بآخر يشير لعملية التشفير والترميز ـ، لأن من يقوم بفك لجام المعنى هو الكاتب والقارئ، إذن الشاعرة تخاطب هؤلاء في الأساس في صورة النص، فهي تتحدث للقارئ والكاتب، تطالب منهم أن يروا في النص شيئا آخر غير ما فيه، بل إنها تقدم وصفة لكيفية التعامل مع النص، وذلك عبر التبحر في براري الفكر، عبر القراءة والتفكر والتأمل، وعبر الأخذ في الاعتبار، أن ما ينبغي التنبه إليه في النص ــ لا سيما النص الأدبي ــ عنصر الجمال، ذلك الجمال الذي يشد صلب الجملة، أو بمعنى آخر الذي يشكل المعنى في الجملة، ذلك المعنى الذي يتنوع بين طول القامة، وتهادي خيلاء الأميرة، أي بين المعاني العميقة، والجميلة على نحو ما أرى، تقول الشاعرة:
كاشتياق الهمسة للمسات
والمثول على خدود الأشعار
كاشتعال الحروف
لذوبان النبض البكر
على خاصرة الإلهام
ووقوفها في حياء
أمام ربة الشعر
ويقول ما لا يقال
في روعة وصف الأصل
لكل ما ترى ولا يرى
هل يمكن القول بأن الشاعرة تابعة للمذهب الرومانسي لأنها ذكرت أحد لوازمه التي هي: "ربة الشعر"، تلك النظرة التى ترى أن أصل شعر الشاعر هو ما تجود عليه به الآلهة من إلهامات لا يمكن للبشر العاديين أن يصلوا إليها، وهي نظرة رغم ما فيها من تقليل إلى حد ما من دور الشاعر في أدبيته ومعاناته، إلا أن لها دورا في إعلاء شأن الأديب عن باقي البشر بوصفه نصف إله، أو بوصفه ذلك الذي يعيش في عالم خاص غير الذي يعيش فيه الآخرون(3 )، لكن مع تدقيق النظر يتبين أن أيا من تلك التفسيرات ليس صحيح، وأن عملية نسب الشاعرة لاتجاه معين لذكر شيء معين، دون التنبه إلى عملية التشفير التي تكمن وراءها عملية خاطئة (**)، صحيح أن ذكر ربة الشعر في هذا السياق الذي بدأ بمنظور عقلاني ومنظور منطقي يُصعب عملية حل الشفرة وتأويلها، إلا أنه يجب على الناقد عدم التساهل وراء الخيارات المقدمة له، وعليه أن يبحث حول أكثر التفسيرات التي تساعد في عملية التأويل وحل الشفرة، وعلى هذا فإن التفسير الأكثر قبولا، والذي يخدم عملية التأويل وفك التشفير هو كون "ربة الشعر" استخدام رمزي من قبل الشاعرة يعبر عن الموروث البشري كله، عن أفكار البشر حول الأدب والشعر من أيام العصور الأولى إلى الآن، ومن ثم هي دعوة لتأمل الكتابات الأدبية ومحاولة تحليلها وفق "ما نرى ولا يرى"، وفق كل الكامن فيها، ويمر عليه الكثير دون تنبه.
حين يكون
الرمادي ليس رماديا
تحتار الخواطر في البوح
فالألوان تلهب الحس والفكر
وإن انسحب قوس قزح
يظل البهتان معكوسا
على كلمات النص
أطلق الألوان من الأسر
فالحروف مشتاقة للون
تريد ندرة التعبير
بغرس السن في المداد
وإعلان إنهاء العصيان
فتستعيد كرمة ابن هانئ
تاج الملك
وتهنأ ربة الشعر
لماذا الرمادي بالذات؟ سؤال لا شك أن عملية فك الشفرة تلحه على ذهن القارئ، ولماذا التأكيد عليه : "حين يكون الرمادي ليس رماديا"، هل لأن الرمادي في جانب من معانيه هو تعبير عن الموقف الوسط بين الأبيض والأسود، هل تقصد الشاعرة بذلك مفهوم الحيادية، بمعنى عدم التعسف تجاه النص، وليس مفهوم بقايا النار التي تقترن عادة بالرماد، أو مفهوم السلبية وعدم اتخاذ موقف، بالتأكيد، لأن ذلك هو ما تقود إليه عملية فك الشفرة، وفق ما تم عرضه، ويؤكده أيضا "البهتان المعكوس" الذي سيحدث لو انسحب قوس قزح، لأن قوس قزح يشمل أغلب الألوان، ناهيك عن منظره الجمالي، إذن الألوان هنا رموز حول مواقف الناس من الأدب من ناحية، وحول كيفية التعامل مع النص الأدبي من ناحية أخري، ومن ثم يمكن تفسير "اشتياق الحروف للألوان" اشتياقها للتفسير والتأويل، للتدليل، يؤيد ذلك: "تريد ندرة التعبير"، لكن ندرة التعبير تتخذ بعدا آخر عند ضمها مع ما بعدها من "غرس السن في المداد"، واستعادة كرمة ابن هانئ ــ مملكة الشعر ــ تاج الملك ــ ومن الذي سرق أو أضاع ذلك التاج أصلا؟، ومتى تهنأ ربة الشعر، تشفيرات مفتوحة الدلالة تتركنا معها الشاعرة في ختام قصيدتها، لأن ختام القصيدة من الأشياء التي تلقى أهمية كبرى لدى الشعراء، فهي أخر ما سيقرؤه القارئ، ويجب أن تترك انطباعا قويا فيه، وبما أن الشاعرة تتحدث في نصها عن النص العصي، فأرادت أن تترك لنا في النهاية فسحة من التفكير لنقوم بتأويله دون الوصول لدلالة محددة قاطعة، ولكن السؤال: هل بعد كل ما قدمته الشاعرة، لان النص العصي وأصبح غير عصي، هل تحدد تماما وجهة نظر الشاعرة تجاه ذلك، أم أن الشفرة ما زالت منغلقة على ذاتها، أعتقد أن قراءتي هنا ساهمت في توضيح الكثير من تأويلات الشفرة المقدمة، لكن بما أن الشفرة تستمد قوة عملها أساسا من أعراف مؤسسة الأدب، تلك المؤسسة التي تنمو كل يوم، وتكتسب في كل لحظة أفاقا جديدة، وهو ما يجعلنا في القرن الواحد والعشرين نعيد قراءات شكسبير مثلا من منظور جديد، فإن عمل الشاعرة المقدم هنا، سيبقى صالحا لإعادة التأويل، وستكتسب الشفرة فيه أبعادا أخرى وأخرى مع استمرار تفاعل عناصر مؤسسة الأدب، واستمرار نموها.
=========================
المراجع:
( 1-) جوناثان كولر: ((الشعرية البنيوية))، ترجمة: السيد إمام، دار شرقيات، القاهرة،2000م، صـ80.
(2-) محمد غنيمي هلال: الرومانتيكية، نهضة مصر، ص46، دت، القاهرة.
(* -) الحقيقة أن تلك العملية الخاطئة ارتكبت في حق الكثيرين من الأدباء والكتاب والنقاد، فتم نسبتهم إلى غير ما ينتمون إليه حقيقة، دون مراعاة توظيف ما ورد في سياقاتهم، أو ما قصدوه من استخدام مشفر في أعمالهم.
مواقع النشر